يخته سعدى شفتي البارح ولدك وش سوى في ولدي يا وجه الله ياختي خمش وجهه وخلاه يرحم (بتسكين الراء وكسر الحاء) ما حد يقدر يطالع في وجهه صار يخرع والله لو شفتي مشادقة مليانة تراب وسألته ليش ياولدي هذا التراب قال هذا خالد قال كل تراب ولا أذبحك بالسكين .. يا وجه الله مدري لمن أعرق ولدك أخواله نشامى وأعمامه طيبين لكن طلع حبة ناقزة ..!
ها..دخيلك يختي علميه لا عاد يضرب ولدي والله لو جاء رجالي من السفر وشاف وجهه لـ يفضحني .. بهذا الأسلوب وهذا الهدوء والرزانة تكلمت منيرة مع جارتها سعدى.. قمة في الأدب والتناصح بالحسنى دون أي ضوضاء ولكن سعدى اخذت الموضوع على أنه تعدي على كبريائها المزعوم وترى انها وأولادها ملائكة لا يخطئون فكان ردها قاسي وقالت ولدي ما يضرب احد شوفي ولدك قليل الادب من ضربه لا يجي يظلم ولدي وانتي ما تقدرين الجيرة يوم تجيني تصيحين في وجهي علشان الفرجة حقك..الله وش ذا الفيد .. فتوا والناس خسروا الله يقطعكم يا عيال بن سحنون ما جاورناكم وشفنا خير..!
بهذه العبارات الموجعة وبهذا الاسلوب الجارح كان رد سعدى على جارتها منيرة التي جاءت اليها بكل ادب ورقي في التعامل ولكن هذه هي النفسيات وهؤلاء هم البشر .. يأتي موقف معين ويظهرون على حقيقتهم المزيفة ..!!
انسلت منيرة من بيت سعدى مكسورة الخاطر .. وهي تتمتم بكليمات وتقول في نفسها : ماذا دهى هذه المرأة أتيتها بالطيب وطلبت منها بكل أدب أن تمنع ولدها عن الاضرار بولدي وكان هذا الرد القاسي المفاجيء وبكل صلافة يا إلهي كيف لهؤلاء الناس أن يبيعوا الجيرة والصداقة في لحظة رغم أخطائهم .. كيف التعامل مع أمثال هؤلاء ..؟
كيف لتلك الجيرة والقرابة أن تنتهي عند هؤلاء في لحظة رغم أنهم ليسوا أصحاب حق .. وكيف لنا أن نتعامل معهم وهم يرون أنفسهم فوق النقد وأنهم هم الأفضل تربية و مكانة ..!
احتارت منيرة من أمر جارتها وقررت أن لا تكلمها بعد اليوم .. وصارت القطيعة وانقلب الود الى تنافر بغيض ، وجاء أبو سعد من السفر ولكن ولله الحمد بعدما التأمت جروح ابنه سعد .. ولم تخبره منيرة بذلك .. ولكنه لاحظ أنها لا تذهب لسعدى كعادتها ولم تأت بسيرتها كما كانت في السابق: سعدى ، سعدى .. فسألها هل بينكم شيء فهمهمت وكأن لسان حالها يقول: دعنا من هذا الأمر .. ولكن أبو سعد لحرصه على الجيرة والعشرة أصر أن يعرف ماذا بينهم ..لحرصه على بقاء جيرتهم نظيفة وقائمة .. فاعترفت له وذكرت له القصة كاملة .. فما كان من ابو سعد إلا أن ذهب بنفسه الى بيت ابو خالد فسلم عليهم واستقبلوه استقبال طيب وكأنهم حاسبوا انفسهم على خطأهم ولكن كان صعباً عليهم الاعتراف وهذا حال الأنفس لعظمة في داخلها ترى أن الاعتراف ضعف .. لذلك تجدها تلتزم الصمت رغم شعورها الداخلي بمرارة موقفها ولكنه الكبرياء قاتله الله .. فما كان منهم الا أن استقبلوا أبو سعد استقبال حافل واعتذروا له مما بدر من ابنهم تجاه ولده كما قدموا اعتذارهم له لما صدر من أم خالد مع زوجته وأنها كانت لحظة شيطان .. وأسقطت أم خالد دموع التماسيح لما بدر منها تجاه أم سعد وأنها تعزها وتقدرها فهي في مقام أختها وووووو ...وخرج أبو سعد من عندهم معزز مكرم منشرح الخاطر .. بعد ان أخذوا منه موثقاً أن ياتيهم هذه الليلة ومعه زوجته لتناول طعام العشاء بدار أبو خالد عربون صلح ونسيان الماضي .. وفتح صفحة جديدة بقلوب نظيفة.. وبالفعل تمت الزيارة وكان التسامح في أجمل صوره .. وكانت ليلة تشع بالسرور والعفو وصفاء القلوب ...!
ما أجملها من نفوس مهما بلغت من العنجهية والصلف فإنها سرعان ما تعود مستسلمة راضخة لمن تحب ..!!
وهذا شيء مما كان يحدث زماااان في القرية من خصومات تذوب عند أول لحظة مراجعة للنفس وتنتهي نهاية طيبة .. وتعود القلوب أصفى وأنقى وأبقى ..!!
رحم الله تلك النفوس الشريفة الكريمة المتسامحة ..!
لذا أحبتي كان لزاماً علينا أن نعفو ونتسامح مع من كان بيننا وبينهم شحناء .. وخاصة في هذه الأيام الفاضلة .. وبعدها حلول عيد الأضحى المبارك فنتصافح بأيدي بيضاء بحب وصدق .. لا نجعل أطراف أصابعنا بالكاد تصل لأطراف أصابع من تربطنا بهم علاقة ..!
ولـ نتذكر أن الدنيا قصيرة ولا تستحق كل هذا التقاطع والتنافر بيننا..!
فلنغتنم الفرصة في هذه الأيام المباركة .. ولنصفي قلوبنا ونطهرها .. فكفى .. كفى .. كفى نزيد هذه القلوب أوجاعاً وآلاماً ..وهي لم تعد تحتمل..!!!
.