سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
يرجع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم الى إبراهيم وزوجته هاجر المصرية التى كان لسانها عربيا وإبنها إسماعيل والذى نطق بالعربية لسان أمه عليهما السلام وكان إبراهيم قد أسكنهما بوادى مكة كما أمره الله وكانت صحراء وارسل الله جبريل فانبع لهما ينبوع زمزم ليشربا وتعمر المنطقة
وبعد أن بلغ إسماعيل من العمر 13 عاما أمر الله إبراهيم بذبحه لأختبار طاعة إبراهيم لله لأن إبراهيم كان يحب إسماعيل لأنه كان إبنه الوحيد وكان سارة عجوزا عاقرا قد بلغ عمرها 89 عاما
فأطلع إبراهيم كلا من زوجه هاجر وإبنها إسماعيل فقالا إفعل ما أمرك به الله "يمكن مراجعه سفر التكوين" فأخذ ابراهيم إبنه الوحيد إسماعيل فى اليوم الذى يحتفل به المسلمين ويحجون اليه الى جبل عرفات وهم بذبحه فنزل له جبريل بكبش ليفتدى اسماعيل وبعد نجاح إبراهيم واسماعيل فى الأختبار الرهيب أقام الله العهد مع ابراهيم بأن نسله يباركه ويقيم منه أنبيائه وكان عمر ابراهيم وقت العهد 99 عاما وإسماعيل 13 عاما وقد أمر الله إبراهيم بالختان علامة لهذا العهد فختن إبراهيم واسماعيل فى نفس اليوم تنفيذا لأمر الله حسب العهد وكانت سارة لازالت عقيما وقت العهد ومن يومنذ منذ هذا الوقت والعالم فى انتظار النبى الخاتم المرسل الى الشعوب الذى يؤول اليه العهد والذى هو دعوة أبراهيم والذى باركه الله وصلى الله عليه ليكون رحمة للناس أجمعين
وقد قام ابراهيم وإبنه اسماعيل بتعلية جدران الكعبة لتكون آية فى انتظار هذا النبى المنتظر وهناك دعا ابراهيم ربه:
)رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة:129)
)فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:97)
وكان الله قد أرسل موسى الى بنى اسرائيل فلما عصوا الله وفعلوا الخطايا أرسل الله إليهم المسيح
وفعل المعجزات ليثبت بأنه رسول من الله اليهم وقال لهم المسيح بأنهم إن آمنوا به فقد خلصوا
فأن لم يؤمنوا به فقد أدانهم بالعصيان والخطية وهم لم يؤمنوا به فإن كان المسيح حق فاليهود
أصبحوا عليهم غضب الله ويموتون فى خطيتهم
كما أن أتباع المسيح لم يؤمنوا به كرسول وعبدوه مع الله وهذا يخالف تعاليم المسيح حيث قال
وباطلا يعبدونى وهم يعملون تعاليم الناس كما قال بأنه يدعوا لله الواحد وأنه رسوله ولم يستمعوا له
وهذا الوضع كان قائما قبل رسالة محمد فهم ينكرون رسالة المسيح ولايطيعونه
وأرسل الله رسوله الى الناس كافة والى الجن أى الى كل المخلوقات )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (سـبأ:28) )وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (الاحقاف:29)
)وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات)
ومن الحوادث المهمة التي وقعت عام مولده صلى اللّه عليه وسلم حوالي سنة 570 م قدوم أبرهة الأشرم ملك اليمن إلى مكة لهدم الكعبة ولقد دمر الله تعالى جيشه وأهلكه عندما اقترب من الكعبة
وولد النبي صلى اللّه عليه وسلم في فجر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول 20 أغسطس سنة (570) بمكة في الدار التي صارت تدعى لمحمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج. وكانت قبل ذلك لعقيل بن أبي طالب ونزل على يد الشفا أم عبد الرحمن بن عوف فهي قابلته رافعاً بصره إلى السماء واضعاً يده بالأرض وكانت أمه تحدث أنها لم تجد حين حملت به ما تجده الحوامل من ثقل وكان يطوف بالبيت تلك الليلة فجاء إليها فقالت له يا أبا الحارث ولد لك مولود عجيب فذعر عبد المطلب وقال أليس بشراً سوياً؟ فقالت نعم ولكن سقط ساجداً ثم رفع رأسه وأصبعيه إلى السماء فأخرجته ونظر إليه وأخذه ودخل به الكعبة وعوذه ودعا له ثم خرج ودفعه إليها. وهو الذي سماه محمداً .. فقيل كيف سميت بهذا الاسم وليس لأحد من آبائك فقال أني لأرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم. وكانت تلك السنة التي حمل فيها برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سنة الفتح والابتهاج فإن قريشاً كانت قبل ذلك في جدب وضيق في تلك السنة ... ومن عجيب ولادته ما روى من ارتجاج إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة
شق الصدر
قالت حليمة مرضعة الرسول فرجعنا فواللّه أنه بعد مقدمنا بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذا أتانا أخوه فى الرضاعة يشتد فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه قالت فخرجت نحوه فوجدناه قائماً منقعاً وجهه فالتزمته فقلت له مالك يا بني؟ قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو؟ قالت فرجعت وخشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فاحتملناه فقدمنا به على أمه فقالت ما أقدمك به وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك فقلت قد بلغ اللّه بابني وقضيت الذي عليَّ وتخوفت الأحداث عليه فأديته عليك كما تحبين. قالت ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك قالت فلم تدعني حتى أخبرتها. قالت أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت نعم. قالت كلا: واللّه ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبنيّ لشأناً أفلا أخبرك خبره؟ قلت بلى. قالت رأيت حين حمله به أنه خرج مني نور أضاء لي به قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به فواللّه ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه ووقع حين ولدته وأنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقي راشدة.
كان أو ما شق صدره عليه الصلاة والسلام في الرابعة وذلك لتطهيره وإخراج حظ الشيطان منه
وفاة أمه بعد أن ردت حليمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرجت به أمه مرة إلى المدينة سنة 575-576 لزيارة أخواله من بني النجار أي أخوال جده عبد المطلب فمرضت وهي راجعة به وماتت ودفنت بالأبواء بين مكة والمدينة وعمره ست سنوات وكان عمر آمنة حين وفاتها ثلاثين سنة
وفاة جده عبد المطلب وكفالة عمه أبي طالب
لما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثماني سنوات توفى جده عبد المطلب في مكة سنة 578 م بعد عام الفيل بثماني سنين وله عشر ومائة سنة وقيل أكثر من ذلك ودفن بالحجون جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها عند قبر جده قصي ولما حضرته الوفاة أوصى به إلى عمه شقيق أبيه "أبي طالب"
السفر إلى الشام.
لما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اثنتي عشرة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام في ركب للتجارة سنة 582 م فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وهي قصبة حوران وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان وكان ببصرى راهب يقال له بحيرا في صومعة له. وكان ذا علم من أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة راهباً إليه يصير علمهم عن كتاب يتوارثونه كابراً عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيراً ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته. فصنع لهم طعاماً كثيراً وذلك عن شيء رآه من صومعته
فقد رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريباً منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت أغصانها على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى استظل تحتها
فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش. فإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم. وعبدكم وحركم.
قال له رجل منهم واللّه يا بحيرا إن لك شأنا اليوم ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيراً فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرا صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم ضعاماً فتأكلون منه كلكم. فاجتمعوا وتخلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة. فلما نظر بحيرا في القوم فلم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك وهو أحدث القوم سنا في رحالهم. فقال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ثم قام إليه رجل من قريش فاحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام بحيرا فقال يا غلام أسألك بحق اللات والعزي إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فأبى رسول اللّه أن يستحلفه بهما فقال له بحيرا ألا أخبرتني عما أسألك عنه؟ فقال له سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله ومن نومه وهيئته وأموره فجعل رسول اللّه
يخبره بخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه وكان مثل أثر المحجمة (يعني أثر المحجمة القابضة على اللحم حتى يكون ناتئا) فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال ما هذا الغلام منك؟ قال ابني. قال بحيرا ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا؟ فقال إنه ابن أخي. قال فما فعل أبوه؟ قال مات وأمه حبلى به. قال صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده فخرج به عمه أبو طالب سريعاً حتى أقدامه مكة حين فرغ من تجارته بالشام(1)
إن بحيرا لما عرف رسول اللّه تخوف عليه من اليهود فنصح لأبي طالب بالرجوع به سريعاً والمحافظة عليه وقد روت حليمة أن اليهود كانوا إذا رأوه وعرفوه حض بعضهم بعضا على قتله حتى أنها كانت تضطر إلى الإختفاء به والإبتعاد عنهم وعلى كل حال كانوا ينتظرون في ذلك الوقت ظهور نبي وكان بعض المتعمقين في الدين يعرفون علامات ذلك النبي وسنذكر فيما بعد أوصافه صلى اللّه عليه وسلم المذكورة في التوراة ولا شك أن عالما مثل بحيرا كان يعرفها
الرحلة الثانية إلى الشام 595 م.
لما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خمساً وعشرين سنة قال له أبو طالب أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وهذه عير قومك وقد حضر خروجها إلى الشام وخدسجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها فلو جئتها فعرضت عليها نفسك لأسرعت إليك. وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له فأرسلت إليه في ذلك وقالت له أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك. فخرج مع غلامها ميسرة وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدم بصرى من الشام وهي مدينة على دمشق فنزلا في ظل شجرة فقال نسطور الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. ثم قال : لميسره أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم لا تفارقه. قال: هو نبي وهو آخر الأنبياء. وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحريرى ملكين يظلان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الشمس فوعى ذلك كله ميسرة وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون. فلما رجعوا أخبرها بما قال الراهب نسطور فلما رأت خديجة الربح الكثير أضعفت له ضعف ماسمت به.
تزويج رسول اللّه خديجة رضي اللّه عنها.
كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة حازمة جلدة شريفة غنية من أواسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً. وقد عرض كثيرون عليها الزواج فلم تقبل فلما رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرسلت إليه من يرغبه في الزواج وقيل أنها أرسلت أختها فقال ما بيدي ما أتزوج به فقالت فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال فمن هي؟ قالت له خديجة قال فأنا أفعل. فذهبت فأخبرت خديجة فأرسلت إله أن ائت لساعة كذا وكذا وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها خديجة فحضر ودخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عمومته فزوجه أحدهم فقال عمرو بن أسد "هذا البضع لا يفرع أنفه" وتزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة وقد حضر رؤساء مضر وحضر أبو بكر رضي اللّه عنه ذلك العقد فقال أبو طالب: "الحمد للّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل
في صحيح البخاري عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري رضي اللّه عنهما(2) وهو يحدث عن فترة الوحي فقال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديثه بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك (3) الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فربت منه فرجعت (4) فقلت زملوني زملوني فأنزل اللّه تعالى {يَأَيُّهَا المُدَّثِّرُ (5) قُمْ فَأَنْذِرْ (6) وَرَبِّكض فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهَِرْ وَالرُّجْزَ (7) فَاهْجُرُ} فحمى الوحي (8) وتتابع
قال اين اسحق ابتدئ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالتنزيل في شهر رمضان يقول اللّه تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} وقال تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإذْنِ رَبِّهمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر} وقال اللّه تعالى {حم وَالْكِتَابِ المُبينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهْ فِي لَيْلةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كْنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عَنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِين} .
ولما فتر الوحي حزن النبي صلى اللّه عليه وسلم حزنا شديداً غدا منه مراراً كي يتردى من روءس الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول اللّه حقاً. فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه. وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين كما جزم به ابن اسحاق ثم نزل عليه جبريل بسورة الضحى يقسم له ربه وهو الذي أكرمه بما أكرمه به وما ودعه وما قلاه، فقال تعالى {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَة خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى *
رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في السوق يقول أيها الناس: قولوا لا إله إلا اللّه تفلحوا ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه. وقال لا تطيعوه فإنه كذاب. فقلت من هذا؟ قال محمد وعمه أبو لهب. أما امرأته فهي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية فكانت أيضا في غاية العداوة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وترمى الشوك في طريقه
ولما مات عمة أبو طالب وتلى ذلك زوجه إشتد أذى الناس له وكان من يؤمن به بسبب أنهم يعلمون صدفه وأمانته ولأنهم يجيدون اللغه فكانوا منبهرين بالقرآن الكريم الذى ينزل عليه وأعجاز جمله ولكن اشتد إيذاء الكفار للنبى مما أصاب النبي صلى اللّه عليه وسلم من الإيذاء كما في البخاري: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول اللّه فلف ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه فدفعه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وفي رواية ثم قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه بِسْمِ اللّه الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ. حَم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} ثم مضى رسول اللّه فيها يقرؤها عليه فلما سمعها عتبة منه انصت لها وألقى يديه خلف ظهره متعمداً عليهما يستمع منه ثم انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد. ثم قال. قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أني قد سمعت قولا واللّه ما سمعت مثله قط. واللّه ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي. خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو اللّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وأن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا سحرك واللّه يا أبا الوليد بلسانه. قال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم
لقد ظن أبو الوليد في بادئ الأمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقبل ما يعرضه عليه من مال وجاه وملك فأظهر له استعداد قريش لمنحه كل ما يبغي على أن لا يتعرص لدينهم ولا يدعوهم إلى ترك عبادة الأصنام. ظن ذلك لأن الإنسان ولا سيما الفقير المحتاج يطمع في المال وتغره أبهة الملك فيتشبث بهما ويسعى إليهما ما وجد للسعي سبيلا ولو كان أبو الوليد عرض ذلك كله أبو بعضه على غير النبي صلى اللّه عليه وسلم لاغتبط به واتفق مع قريش في الحال وأراح نفسه وأصحابه من العناء والإيذاء والتعذيب والتهديد بالقتل في كل وقت. لكن النبي صلى اللّه عليه الصلاة والسلام لم يكن طامحا إلى شيء من ذلك أصلا ولم يكن في وسعه أن يتنحى عن الدعوة إلى الإسلام مهما حاولت قريش صرفه عنها. ألا ترى أنه قال لعمه أبي طالب "واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته"
.
لما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء والعذاب وما هو فيه من العافية بمكانه من اللّه عز وجل ودفاع أبي طالب عنه وأنه لا يقدر أن يمنعهم،
قال: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يُظلم أحد عنده حتى يجعل اللّه لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه".
وكان اسم النجاشي وقتئذ أصحمة بن أبجر. والنجاشي اسم لكل ملك يلي الحبشة
فخرجوا متسللين سراً وذلك في شهر رجب سنة خمس من بعد النبوة (سنة 615 م) وكانوا أثني عشر رجلا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشُّعيبة فمنهم الراكب والماشي وأوقف اللّه للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيها إلى أرض الحبشة وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوال فلم يدركوا منهم أحداً.
وفاة أبي طالب سنة 620 م.
كان أبو طالب بن عبد المطلب من أشد الناس دفاعا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه
وفاة زوجته
سفره إلى الطائف.
الطائف بلدة على مسافة 65 ميلا من مكة فدعوا له غلاما لهما نصرانياً يقال له عَدَّاس فقالا له يأكل منه ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول اللّه فما وضع رسول اللّه يده قال بسم اللّه فنظر عداس إلى وجهه ثم قال واللّه إن هذا الكلام يا يقوله أهل هذه البلدة قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس وما دينك. قال أنا نصراني وأنا رجل من أهل نِينَوي. فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى. قال له وما يدريك ما يونس بن متى. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذاك أخي كان نبياً وأنا نبيّ فأكب عدّاس على رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقبل رأسه ويديه ورجليه. فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قالا له ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه. قال يا سيدي مافي الأرض خير من هذا الرجل. لقد خبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي. فقالا ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه. ثم أن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة حين يئس من خبر ثقيف فلما قدمها وجد قومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه الا قليلا مستضعفين ممن آمن به.
الإسراء والمعراج سنة 621 م.
كان الإسراء قبل الهجرة بسنة في ليلة سبع وعشرين من شهر رجب وهو المشهور عليه عمل الناس وكان ليلة الأثنين.
كان الأسراء إلى بيت المقدس والمعراج إلى السموات وفرضت عليه في تلك الليلة الصلوات الخمس.
وقد ذكر الإسراء في القرآن قال تعالى :
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرِى بِعَبُدِهِ لَيْلاً مِنَ الَمسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ الَّسمِيعُ الْبصِيرُ}.
وكيفية الأسراء أن جبريل عليه السلام حضر ومعه دابة ايمها البراق فركبها الرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنقلته من مكة الى القدس الى مكان المسجد الأقصى ثم ترك البراق
وعرج مع جبريل الى السموات السبع "عالم الملكوت" حيث قبل من فيهن ممن سبقوه من الأنبياء
)اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق:12) وهذا هو عالم الملكوت الذى بشر به المسيح
وهم سبعه عوالم غير مادية متطابقة فى نفس الموقع لكل منها درجة أعلى من الأخرى وأنه حسب أعمالنا فى حياتنا الدنيا نحصل على درجتنا )هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (آل عمران:163) ففى السماء الأولى والأرض الأولى قابل الرسول آدم عليه السلام ومن فى منزلته وفى السماء الثانية والأرض الثانية قابل المسيح ويحى وفى السماء الثالثة قابل يوسف وفى الرابعه قابل ادريس وفى الخامسة قابل هارون وفى السادسة قابل موسى وفى السابعه قابل ابراهيم عندها سدرة المنتهى وجنة المأوى وهى النهاية لكل مخلوق وقال له جبريل بأنه لايمكنه أن يصعد أعلى من ذلك وقد صعد الرسول وحده حيث لم يصعد أحد من قبل وصلى اللّه عليه وسلم حسب عهد الله لأبراهيم عليه السلام وليطلع على عجائب الملكوت كما قال تعالى: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} والا فاللّه تعالى لا يحويه زمان ولامكان ورأى ربه تلك الليلة وأوحى إلى عبده ما أوحى وفرض عليه خمس صلوات وجمع له الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصلى بهم في بيت المقدس ثم استقبلوه في السموات ورجع صلى اللّه عليه وسلم من ليلته إلى مكة بالبراق كان هذا الحدث أهم حدث فى حياة الرسول وتثبيت لفؤاده بان يعرف الحقيقة
وقد تزوج الرسول بعائشة بنت ابى أبى بكر وكان أهميتها للأسلام بأنها روت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أكثر من ألف حديث وكانت من أكبر النساء عقل وعاشت مدة طويلة بعد الرسول. فصيحة الكلام صحيحة المنطق أحفظ أهل زمانها للحديث وقد روت عنها الرواة من الرجال والنساء. وقبض رسول اللّه ولم يتزوج بكراً غيرها وقبض رسول اللّه ودفن في بيتها وتوفيت سنة سبع وخمسين للّهجرة ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان (13 يولية سنة 678 م) وقد قاربت سبعاً وستين سنة وصلى عليها أبو هريرة بالبقيع ودفنت ليلا وذلك زمن ولاية مروان بن الحكم على المدينة في خلافة معاوية وكان مروان استخلف أبا هريرة لما ذهب إلى العمرة في تلك السنة. روى القاسم بن محمد عن عائشة رضي اللّه عنها أنا قالتك فضلت أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم
ثم جاء موعد الهجرة الى المدينة ليذهب الى مكان مناسب آمن يعيش فيه المسلمين بلا اضطهاد
خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهم يرصدونه فأخذ حفنة تراب وجعل ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو قوله تعالى يَس إلى قوله {فَأَغْشَيُنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرونَ} ثم انصرف فلم يروه. فلما أفاقوا من غشيتهم جعلوا يطلعون فيرون علياً نائما وعليه برد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيقولون إن محمداً لنائم. فأقاموا بالباب يحرسون علياً يحسبونه النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى يقوم في الصباح. فلما أصبحوا قام على عن الفراش فقالوا له أين صاحبك؟ قال لاأدري فعلموا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد نجا. فأما عليّ فأقام بمكة حتى يؤدى ودائع النبي صلى اللّه عليه وسلم وقصد النبي صلى اللّه عليه وسلم دار أبي بكررضي اللّه عنه وأعلمه بأن اللّه قد أذن له بالهجرة فقال أبو بكر الصحبة يا رسول اللّه. قال الصحبة، فبكى أبو بكر رضي اللّه عنه فرحاً واستأجر عبد اللّه بن أريقط وكان مشركا ليدل بهما إلى المدينة وينكب عن الطريق العظمى. ولم يعلم بخروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير أبي بكر وعليّ وآل أبي بكر وكان خروجه صلى اللّه عليه وسلم من مكة يوم الخميس أول يوم من ربيع الأول وقدم المدينة لأثنتي عشرة خلت من ربيع
الأول وذلك يوم الأثنين الظهر لثلاث وخمسين سنة من مولده 28 يونيه (622 م) وروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال حين خروجه من مكة إلى المدينة "اللّهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليَّ فاسكني أحب البلاد اليك"
622 م هجرة الرسول الى المدينة وكان عمر الرسول صلى الله عليه وسلم 53 عاما قال حين وكان مدة مقامه بمكة بعد البعثة ثلاث عشر سنة. ثم أتيا الغار الذي بجبل ثور على ثلاثة أميال من جنوب غربي مكة، وأمره أبو بكر ابنه عبد اللّه أن يستمع لهما بمكة ثم يأتيهما ليلا وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يأتيهما بها ليلا ليأخذا حاجتهما من لبنها وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بطعامهما. فأقاما في الغار ثلاثا. ولما فقدته قريش اتبعوه ومعهم القائف فقاف الأثر حتى وقف عند الغار وقال هنا انقطع الأثر وإذا بنسيج العنكبوت على فم الغار وقد عششت على بابه حمامتان. فقالت قريش ما وراء هذا شيء. وجعلوا مائة ناقة لمن يرده عليهم. فلما مضت الثلاث وسكن الناس أتاهما دليلهما ببعيرين فأخذ أحدهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أبي بكر لتكون هجرته إلى اللّه بنفسه وماله رغبة منه عليه الصلاة والسلام في استكمال فضل الهجرة إلى اللّه تعالى. ثم ركبا وأردفبو بكر عامر بن فهيرة يخدمهما في الطريق وأتتهما أسماء بسفرة لها وشقت نطاقها وربطت السفرة فسميت ذات النطاقين وحمل أبو بكر جميع ماله وكان نحو ستة آلاف درهم وبينما هما في الطريق مجردين منكل سلاح بصر بهما سراقة بن مالك بن جعشم فاتبعهما ليردها فدعا عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فساخت قوائم فرسه في أرض صلبة. فقال أدعي لي يا محمد ليخلصني اللّه أن أراد عنك الطلب فدعا له فخلص. فدعا عليه ثانية فساخت قوائم فرسه في الأرض أشد من الأولى. فقال يا محمد قد علمت أن هذا من دعائك علي فادع اللّه أن ينجيني مما أنا فيه ولك عهد اللّه أن أرد عنك الطلب. فدعا له فخلص وعاهدهم أن لا يقاتلهم ولا يخبر عنهم وأن يكتم عنهم ثلاث ليال. فرجع سراقة ورد كل من لقيه بأن يقول ما ها هنا
وصوله صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة
نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قباء على كلثوم بن هرم شيخ بني عمرو بن عوف وهم بطن من الأوس. وقباء قرية على ميلين من جنوب المدينة وهي خصبة بها حدائق من أعناب ونخيل وتين ورمان وأقام بها رسول اللّه يوم الأثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجد قباء وهو الذي أسس على التقوى من أول يوم ونزل أبو بكر رضي اللّه عنه على حبيب بن أساف بالسنح ثم قدم عليّ رضي اللّه عنه ومعه الفواطم وأم أيمن وولدها أيمن وجماعة من ضعفاء المؤمنين ولما وصل نزل على كلثوم بن الهرم اقتداء النبي صلى اللّه عليه وسلم وكان عليّ رضي اللّه عنه في طريقه يسير الليل ويكمن النهار ثم ركب النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الجمعة يريد المدينة وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي بمن معه من المسلمين وكانوا مائة وهي أول جمعة صلاها بالمدينة وأول خطبة خطبها في الإسلام ثم ركب راحلته يريد المدينة وأرخى زمامها فاكان لا يمر بدار من دور الأنصار الا قالوا هلم يا رسول اللّه إلى العدد والعدة والمنعة ويعترضون ناقته فيقول خلوا سبيلها فإنها مأمورة حتى بركت عند موضع مسجده اليوم وكان يربداً للتمر
لغلامين يتيمين وهما سهل وسُهيل ابنا عمرو من بني النجار فلما بركت لم ينزل عنها ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به فالتفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها الأول فبركت فيه ووضعت جرانها فنزل عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واحتمل أبو أيوب الأنصاري رحل ناقته إلى بيته ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا بل نهبه لك يا رسول اللّه فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقبل منهما هبة حتى أتباعه منهما ثم بناه مسجداً وطفق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينقل معهم اللبن (الطوب النئ) في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن
هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر
نزل من القرآن بمكة اثنتان وثمانون سورة.
فرح أهل المدينة بقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم فرحاً شديداً وصعدت ذوات الخدور على الأسطحة. وعن عائشة رضي اللّه عنها، لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة جلس النساء والصبيان والولائد يقلن جهراً:
طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا * ما دعا للّه داع
أيها المبعوث فينا * جئت بالأمر المطاع
قال ابن عباس إبن النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الأثنين واستنبئ يوم الأثنين ورفع الحجر الأسود يوم الأثنين وقبض يوم الأثنين وإبتدأ التاريخ في الإسلام من هجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة وأول من أرخ بالهجرة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سنة سبع عشر من الهجرة إلا أن التاريخ الهجري يبدأ قبل الهجرة بشهرين وذلك أنهم جعلوا مبدأ التاريخ المحرم من تلك السنة والنبي صلى اللّه عليه وسلم بعد بمكة ثم كانت الهجرة بعد ذلك في ربيع الأول.